الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
260
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أنّ القول الذي تحكى به المحاورات لا يلتزم فيه مراعاة صيغته لزمان وقوعه لأنّ زمان الوقوع يكون قد تعيّن بقرينة سياق المحاورة . وقرأ الجمهور الْغُيُوبِ - بضم الغين - . وقرأ حمزة ، وأبو بكر عن عاصم - بكسر الغين - وهي لغة لدفع ثقل الانتقال من الضمّة إلى الباء ، كما تقدّم في بيوت في قوله تعالى فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ من سورة النساء [ 15 ] . وفصل قالُوا جريا على طريقة حكاية المحاورات ، كما تقدّم في قوله وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً في سورة البقرة [ 30 ] . وقوله : إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ظرف ، هو بدل من يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ بدل اشتمال ، فإنّ يوم الجمع مشتمل على زمن هذا الخطاب لعيسى ، ولذلك لم تعطف هذه الجملة على التي قبلها . والمقصود من ذكر ما يقال لعيسى يومئذ هو تقريع اليهود . والنصارى الذين ضلّوا في شأن عيسى بين طرفي إفراط بغض وإفراط حبّ . فقوله اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ - إلى قوله - لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ [ المائدة : 115 ] استئناس لعيسى لئلّا يفزعه السؤال الوارد بعده بقوله : أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ إلخ . . . [ المائدة : 116 ] وهذا تقريع لليهود ، وما بعدها تقريع للنصارى . والمراد من اذْكُرْ نِعْمَتِي الذّكر - بضمّ الذال - وهو استحضار الأمر في الذهن . والأمر في قوله اذْكُرْ للامتنان ، إذ ليس عيسى بناس لنعم اللّه عليه وعلى والدته . ومن لازمه خزي اليهود الذين زعموا أنّه ساحر مفسد إذ ليس السحر والفساد بنعمة يعدّها اللّه على عبده . ووجه ذكر والدته هنا الزيادة من تبكيت اليهود وكمدهم لأنّهم تنقّصوها بأقذع ممّا تنقّصوه . والظرف في قوله إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ متعلّق ب نِعْمَتِي لما فيها من معنى المصدر ، أي النعمة الحاصلة في ذلك الوقت ، وهو وقت التأييد بروح القدس . وروح القدس هنا جبريل على الأظهر . والتأييد وروح القدس تقدّما في سورة البقرة [ 87 ] عند قوله : وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ . وجملة تُكَلِّمُ حال من الضمير المنصوب ب أَيَّدْتُكَ وذلك أنّ اللّه ألقى الكلام من الملك على لسان عيسى وهو في المهد ، وفي ذلك تأييد له لإثبات نزاهة تكوّنه ، وفي ذلك نعمة عليه ، وعلى والدته إذ ثبتت براءتها ممّا اتّهمت به . والجارّ والمجرور في قوله فِي الْمَهْدِ حال من ضمير تُكَلِّمُ . و كَهْلًا